عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

10

معارج التفكر ودقائق التدبر

وسمّى العرب هذه الكنيسة « القلّيس » لأنّ الناظرين إلى أعلاها تتساقط قلانسهم عن رؤوسهم ، بسبب ارتفاعها وعلوّ بنائها . وبلغ العرب عزم أبرهة على تحويل حجّهم إلى كنيسته فكرهوا ذلك ، وغضبت قريش من هذا الأمر غضبا شديدا . قالوا : فجاء رجل من العرب ، هو أحد بني فقم ، ثمّ أحد بني مالك ، ودخل « القلّيس » وتبرّز بها ، إعلانا عن تسخّط العرب ، وإشعارا بأن هذه الكنيسة لا تستحقّ في نفوس العرب أن يحجّوا إليها ، وخرج الرّجل وفرّ إلى أرضه . ورأى رعاة الكنيسة « القلّيس » ما فعل فيها ، فرفعوا الأمر إلى أبرهة ، وقالوا له : إنّما صنع هذا بعض قريش ، غضبا لبيتهم . فأقسم أبرهة ليسيرنّ إلى بيت مكّة ، وليخرّبنّه حجرا حجرا . وذكر مقاتل بن سليمان ، أنّ فتية من قريش دخلوا « القلّيس » فأحرقوها ، فسقطت إلى الأرض ، فعزم أبرهة على هدم الكعبة . وحشد « أبرهة » جيشا كثيفا من الحبشان ، واستصحب معه فيلا عظيما كبير الجثّة ، لم ير مثله ، يقال له « محمود » وكان قد بعثه إليه النّجاشيّ ملك الحبشة لذلك . وسمعت العرب بمسير أبرهة وجيشه ، فاشتدّ عليهم الأمر واستفظعوه . فخرج رجل من أشراف اليمن وملوكهم يقال له : « ذو نفر » فدعا إلى حرب أبرهة وجيشه ، دفاعا عن الكعبة ، فأجابه جمع من قومه ومن غيرهم ، فقاتلوا أبرهة وجيشه ، لكنّهم هزموا ، وأسر « ذو نفر » واستصحبه أبرهة معه . وسار أبرهة بجيشه ، فاعترضه نفيل بن حبيب الخثعميّ في قومه ، فقاتلوه ، فهزمهم أبرهة ، وأسر نفيل بن حبيب ، واستصحبه أبرهة معه ، ليكون دليله في بلاد الحجاز .